أبي حيان الأندلسي

698

البحر المحيط في التفسير

وكونها للسبب أظهر ، ولا يجوز أن تتعلق : من ، بأغنياء ، لأن المعنى يصير إلى ضد المقصود ، وذلك أن المعنى : حالهم يخفى على الجاهل به ، فيظن أنهم أغنياء ، وعلى تعليق : من ، بأغنياء يصير المعنى : أن الجاهل يظن أنهم أغنياء ، ولكن بالتعفف ، والغني بالتعفف فقير من المال ، وأجاز ابن عطية أن تكون : من ، لبيان الجنس ، قال : يكون التعفف داخلا في المحسبة ، أي : أنهم لا يظهر لهم سؤال ، بل هو قليل . وبإجمال فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة . فمن ، لبيان الجنس على هذا التأويل . انتهى . وليس ما قاله من أن : من ، هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه في بيان الجنس ، لأن لها اعتبارا عند من قال بهذا المعنى لمن يتقدّر بموصول ، وما دخلت عليه يحصل خبر مبتدأ محذوف ، نحو : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ « 1 » التقدير : فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان . ولو قلت هنا : يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف ، لم يصح هذا التقدير ، وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس ، أي : بينت بأي جنس وقع غناهم بالتعفف ، لا غنى بالمال . فتسمى : من ، الداخلة على ما يبين جهة الغنى لبيان الجنس ، وليس المصطلح عليه كما قدمناه ، وهذا المعنى يؤول إلى أن من سببية ، لكنها تتعلق : بأغنياء ، لا : بيحسبهم ، ويحتمل أن يكون : يحسبهم ، جملة حالية ، ويحتمل أن يكون مستأنفة . تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ الخطاب يحتمل أن يكون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى : أنك تعرف أعيانهم بالسيما التي تدل عليهم ، ويحتمل أن يكون المعنى : تعرف فقرهم بالسيما التي تدل على الفقر ، من : رثاثة الأطمار ، وشحوب الألوان لأجل الفقر . وقال مجاهد : السيما الخشوع والتواضع ، وقال السدي : الفاقة ، والجوع في وجوههم ، وقلة النعمة . وقال ابن زيد : رثاثة أثوابهم ، وصفرة وجوههم . وقيل : أثر السجود ، واستحسنه ابن عطية ، قال : لأنهم كانوا متفرغين للعبادة ، فكان الأغلب عليهم الصلاة . وقال القرطبي : هذا مشترك بين الصحابة كلهم لقوله تعالى في حقهم : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ « 2 » إلا إن كان يكون أثر السجود في هؤلاء أكثر ، وأما من فسر السيما بالخشوع ، فالخشوع محله القلب ، ويشترك فيه الغني والفقير ، والذي يفرق بين الغني والفقير ظاهرا إنما هو : رثاثة الحال ، وشحوب الألوان . وللصوفية في تفسير السيما

--> ( 1 ) سورة الحج : 22 / 30 . ( 2 ) سورة الفتح : 48 / 29 .